الاورستية بين كنيسة Lourdeskerk

والأمكنة العربية المجهولة

قاسم مطرود

  بيان راي

وأنا أشاهد مسرحية الاورستية "Oresteia " التي كتبها أسخيلوس "Aischylos" عام 458 ق م على كنيسة "Lourdeskerk" تداعت وبشكل سريع الأمكنة الثرة في العراق ووطننا العربي التي يمكن استغلالها وتحويلها من أبنية تاريخية إلى صالات لعروض مسرحية جادة تعطي للمكان هيبته واحترامه ويمكننا التخلص من المسرح الايطالي أي مسرح العلبة وبإمكان المخرجين استغلال كل ألزواياه المجهولة بل يمكّن للمخرج المؤلف أن يستحدث نصا يتلاءم والمكان.

 

رؤى واستدلالات عبر عصور مختلفة

ولان المخرج الهولندي "Johan Doesburg " وظف الساحة الرحبة في الكنيسة بعد أن بنا مسرحه في وسطها مستغلا كل جزء فيه شعرت بأنني أمام عرض مسرحي استثنائي، وهكذا فعل المخرج العراقي الدكتور عوني كرومي من قبل في مبنى قديم وقدم فيه مسرحية " ترنيمة الكرسي الهزاز "التي بقيت حية في ذاكرة المسرح العراقي والتي أعطت للمكان دما وحياة جديد.

 

 لنعد إلى العرض المسرحي ونجول في بعض من تفاصيله ولنسلط الضوء على الاورستية وكاتبها كي لا يكون حديثنا سابحا في الفضاء .

 

تاريخ التكوين

ظهر أسخيلوس لأول مرة في مدينة دايانيسيا في عام 500 ق م ولكنه لم يفز بالجائزة إلا بعد خمسة عشر عاما  وقيل لو لا الاورستية لما كان باستطاعتنا معرفة الطريقة الحقة التي كتب بها أسخيلوس تراجيدياته الباقية لان الاورستية هي الوحيدة الباقية بثلاثة أجزاء وقد قدمت كاملة من قبل مسرحNationalt"  " ومن خلال سياقها عرفنا كيف كان نهج المؤلف في مسرحية المتضرعات والتي تعتبر أول نص مسرحي كتب في العالم 490 ق م ومن ثم برومثيوس وكانت المسرحيتين رباعيتين إلا أنهما لم تصلا كاملتين وكذلك مسرحية الفرس ومسرحية سبعة .

والنبق في مسرحية الاورستية، التي أخذها أسخيلوس من الإلياذة هوميروس بعد أن اسقط عليها شيئا من صوفيته بإضافة أحداث لم تكن في الأسطورة من قبل وهكذا فعل المخرج الهولندي الذي حاول أن يكون أمينا بإيصال الحدث إلا انه تحرر من صوفية أسخيلوس واسقط عليها إرهاصات المجتمع الهولندي أو إشكالات البنية الاجتماعية الأوربية عبر الخطاب الجنسي واعتبار الجسد سلطة كبيرة.

 

 

بين السرد والتجسيد

الحكاية تقول عندما مات بيلوبس،خلف وراءه ولدين هما آتريوس وثاليستيس اللذان تنازعا على الخلافة ،إذ طرد آتريوس أخاه من البلاد ، وبعد مضيّ فترة من الزمن وبحجة عقد الصلح بينهما ،استدعاه وأقام له وليمة وقدم فيها إليه لحم أبنائه.

ومثل هكذا أحداث جسام كانت تقدم في المسرح اليوناني أو المسرح الكلاسيكي قاطبة تتم على لسان الجوقة المصاحبة للشخصيات والتي تلعب أدوارا مختلفة في العرض آنذاك وهكذا فعل المخرج الذي أضفى عليها جمالا أخاذا عبر الأداء والسرد إذ جعل الجوقة أو الكورال والممثلين كلهم في مجموعة واحدة وبأزياء سوداء تمكنهم حتى من الطيران ووزعهم على جميع زوايا المسرح إذ كان العرض يدور في مسرح دائري والجمهور يطل على ما يجري من الأعلى في جميع الاتجاهات ،وحاول المخرج إعطاء المكان شيئا من الطقسية باستخدامه الدخان المستعاض عن استخدام البخور في مثل هكذا عروض والأجمل من هذا كله إننا نشاهد الممثلين الذين يؤدون أدوارهم ويخرجون في الحال لتنفيذ الموسيقى الحية ويمكنني القول إن الموسيقى كانت من أهم أبطال العرض المسرحي .

وشاهدنا تلك الأحداث وكيف فجع الأخ حين علم بمكيدة أخيه عندما حمل عصاه وظل يطوف بها كالمجنون في وسط المسرح حتى انهار من هول فعلة أخيه، الذي قتل أولاده سرا وقام بطهي لحمهم.

وكانت الموسيقى المستخدمة هي مجموعة طبول كبيرة يضرب عليها الممثل الذي يكمل مشهده ليخرج إلى جانب المسرح ليشد العرض بالضربات الإيقاعية المنسجمة مع استخدام آلات خشبية أخرى وقطع جديدة تحدث أصوات غير مألوفة وكل هذا يحدث أمام المتلقي لأنه جزء من لحمة العرض .

ونحن نستمتع بسرد وتجسيد الأحداث عبر استخدام الجسد السينوغرافيا لهذه الأسطورة المؤدرمة بنصها الإغريقي والرؤيا الهولندية التي تابعت سير الحكاية بموت آتريوس الذي ترك المملكة بعده إلى قسمين وتوزعت بين ولديه وهما أغاممنون ومينيلاس اللذين كان قد تزوجا أختين هما كلايتيمنيسترا وهيلين تلك التي قامت بسببها حرب طروادة بعد زيارة " بارس " ابن ملك طروادة الذي أحب هيلين وهرب بها، ثم نشبت الحرب التي دامت عشر سنوات.

لكن اليونانيين لم ينسوا ما فعله بارس إذ تجمعوا في "اوليس" بجيوش كبيرة بقيادة أغاممنون  بغية الهجوم على الطرواديين لكن الحملة تأخرت بسبب غضب "اتيميس" ،كل هذه الوقائع كان تسرد في عروض المسرح الإغريقي سردا وليس تجسيدا ولأنها صعبة التنفيذ إنتاجيا على المسرح قام المخرج بسردها أيضا مضيفا بعض الحيل المسرحية التي تحيلك إلى ساحة المعركة أو عواصف البحر المتعطش للضحية .

ويمكننا القول إن مسرحيتنا بدأت من هذه النقطة وكل ما قيل من قبل هو خلفية أو أساس لما سيدور على الخشبة انه استهلال الفجائع،يُخبر أغاممنون مرارا من قبل المتنبئة "كلاخاس " وهو المشغول بإعداد الجيوش لحرب الطرواديين ، بان العاصفة كانت بسبب غضب آرتيميس ،والذي لا يمكن تهدئته إلا بالتضحية بابنته افجينيا التي تسكن قرب أمها والمتعلقة بها، وعلى هذا الأساس أرسل أغاممنون آرغوس لإحضار الفتاة من أمها بحجة أنها ستتزوج من اخيلس،ولكن وما أن وصلت البنت قام الأب بذبحها قربانا للعاصفة إرضاء لآرتيميس، وأبحرت حملة أغاممنون إلى طروادة ،وبعد فترة وصلت الأنباء إلى الأم كلايتيمنيسترا التي بدأت بإعداد مؤامرة بمساعدة اجيسثوس وهو ابن لتايستيس كان قد نجا من الوليمة التي أقامها عمه لأبيه ولكي تسهل الأم مؤامرتها أبعدت ابنها أرست الذي كان حينها صبيا إلى مدينة فوكيس .

 استمرت الحرب عشر سنوات والتي أسفرت بسقوط الطرواديين والتي مكنت اليونانيين من نهب كل شيء حتى من معابد الآلهة مما حفز ذلك غضب الآلهة بأحداث رعد وبرق كي يختفي أسطولهم العسكري وبين هذه الأحداث الجسام التي جمعت غضب الآلهة ووحشية الإنسان عاد أغاممنون بعد انتهاء الحرب إلى زوجته التي كان يعتقد بأنها ستأخذه بالأحضان كمنتصر ورجل جبار .

ويمكننا القول بان تجسيد الأحداث على الخشبة بدأت تتجسد مذ علمت الأم بذبح ابنتها التي قادتنا إلى مشاهدة المكائد من قبل الجميع بانضمام آخرين واعتراض الجمع الآخر.

كل هذا ونحن ما زلنا في الجزء الأول من الاورستية  التي انتهت بعد عودة أغاممنون ومعه أسيرته الطروادية "كساندرا "وهي أبنت ملك طروادة كان قد جلبها معه كأسيرة ، لكن الزوجة كلايتمنسترا قامت بذبح الأسيرة وقتل زوجها بالتعاون مع عشيقها الذي يكن الحقد إلى عمه المنتصر، وما أن تترك جثثهم في وسط المسرح وهي ملفوفة بالرداء الأحمر ينتهي الجزء الأول من الاورستية .

 

حفلة عشاء على شرف أسخيلوس

نمنح فترة استراحة ثلاثة أرباع الساعة لتناول وجبة العشاء في المسرح نفسه لأنه هذا الوقت وقت تناول أكل الهولنديين ، وقد تم حجز الطعام في المسرح نفسه الذي تحول أسفل قاعته مكانا لتناول الأكل وانأ اذكر هذا لسبب بسيط قد يقول القارئ وما علاقة تناول الطعام في العرض المسرحي، إلا أني أجد في هذا الطقس أو الطريقة بعدا ذكيا في كيفية جلب المتفرجين إلى عرض طوله حوالي أربع ساعات ، عليك إن توفر لهم ما يمكن أن يسمى سهرة فنية مصحوبة بالأكل والشرب والمشاهدة وهذا تقريبا تقليدا عند المجتمع الهولندي بدعوة العوائل إلى العروض المسرحية ومن ثم تناول الطعام قبل أو بعد العرض إلا أن في عرض الاورستية كان ضمنا وما أحوجنا إلى مثل هكذا تقليد أي دعوة صديق وعائلته إلى مشاهدة عرض مسرحي.

 

 

بقع الدم تجتازنا رغم البياض الناصع

كنا ننتظر انتهاء فترة الاستراحة إلا أننا سمعنا ضربات حادة على الطبول الكبيرة معلنة بدا الجزء الثاني ،وما أن دخلنا نبحث عن أمكنتنا وجدنا جميع الممثلين قد

غيروا ثيابهم من السواد إلى البياض بانضمام الشخوص الذين لعبوا الأدوار التي كان عليها أن تموت في الجزء الأول ، وتيقنت من لعبة المخرج التي لا تعول على توزيع الشخصيات على الممثلين بقدر ما اعتبر الأمر برمته لعبة على خشبة المسرح يتناوب عليها مجموعة من المبدعين ،وما أن استقر المتفرجون في مقاعدهم سمعنا الضربات الأخيرة معلنة بدا العرض.

يبدأ أورست بالتمركز في وسط المسرح اثر عودته من غياب دام سنوات بعد أن استمع إلى كاشف غيب أبولو في دلفي ، يتحاور مع صديقه بيلاديس ابن مضيفه في فوكيس عن الأهداف التي جاء من اجلها ليقرر في نهاية الأمر الكشف عن نفسه لأخته أليكترا بعد أن وضع خصلات من شعره إلى جانب الرداء الذي قتل فيه أبيه ، وما أن تدخل أخته بصحبة الكورال تتعرف على أخيها الذي يبوح لها بالأهداف التي جاء من اجلها لأنه يعتقد إن ما يحمله رسالة مقدسة من أبولو بضرورة قتل الأم وعشيقها ،وتوافقه الأخت بالحال بل تساعده على القتل لأنها تحب الأب ذلك البطل الذي قهر الطرواديين.

وفي مشهد غاية في الجمال يتم قتل العشيق وكما هو معروف في المسرح الإغريقي خارج الخشبة لأنهم لا يحبون رؤية الدم بل ويعتبرون المسرح مكانا مقدسا وعليه يجب أن لا تسيل الدماء عليه أو أن لا يشاهد المتفرج القتل العمد وغير العمد على الخشبة التي هي مكان لإيصال ما هو مقدس في مفهوم المسرح الكلاسيكي ، وهكذا فعل المخرج إذ جسد فعل القتل في الكواليس إلا انه سحل الجثة إلى وسط المسرح وبالتحديد فوق الفتحة التي خرج منها الدخان من قبل ، ومن ثم تدخل الأم كلايتيمنيسترا لتشاهد جثة عشيها مرمية على الأرض وبجانبها الابن اورست المتفاخر بقتله والمتوعد بقتل الأم وإلحاقها معه وبعد صراخ وعتاب من قبل الأم التي تقول له أنت قطعة لحم منيّ ولكنه لا يحب الاستماع وهو الآخر يصرخ محتجا على قتل أبيه ويستمر الحوار المهم الذي اخذ المسرح العالمي جل ثيمه من هذه الأحداث.

 هل كان من حق اورست قتل الأم انتقاما لأبيه وهل كان من حق الزوجة قتل الزوج انتقاما لذبح ابنتها وإشباعا لرغبتها الجنسية التي تركها الزوج وحيدة فترة عشر سنوات تعانق وحدتها ترى مع من يكون الحق ومن يستحق القتل أو العتاب ، حقا أنها منطقة هامة للأخذ منها الحكايات والدلالات فقد كتب جان بول سارتر مسرحيته المشهورة الذباب عن الأسطورة نفسها وأخذها من مفهوم وجودي وهكذا فعل الكثير من الكتاب وهذا ليس مكان ذكرهم.

إلا أن اورست يقرر قتلها، وهي عرفت النهاية التي جعلتها تستسلم كالشاة بالذهاب إلى خارج المسرح معلنة موتها ، وكما هو مألوف تبدأ الجوقة بسرد بعض من الحكايات تغطية على فعل القتل واختزالا لمفهوم الزمن وما أن تنتهي الجوقة يدخل اورست حاملا جثة أمه التي يرميها فوق جثة عشيقها ،وعبر مشهد أخاذ تطوف الجوقة حول الأجساد الملقية في وسط المسرح وبخوف لا مثيل له يتحاور اورست مع أخته أليكترا يخرج وبشكل بطيء ومن نفس الفتحة الدم النازف من الجثتين ليشكل مربعا يكبر شيئا فشيئا وكأنه سيصل إلينا ذلك الدم الممزوج بالغدر والخيانة.

لينتهي الجزء الثاني بنوبات الجنون والندم التي تقتحم اورست محاولا الاعتكاف حول ذاته بعد أن يأتيه الصراخ الذي يصم الآذان بان قتل الأم جريمة حتى ولو أباحها أبولو ،يقتحم الدم اورست الذي يصرخ في وجه أخته رافعا يديه وهما تقطران دم .

 

محاكمة العصور والأفكار

ثم نتلق فترة استراحة لنعاود بعد فترة قصيرة إلى أمكنتنا إلا أني لاحظت أن جزء من الجمهور قد تغير مكانه واستلم قطعا من الحصى كي يسلمها  في نهاية الأمر إلى مربية اورست، وبقيت الأمكنة فارغة وما بدا العرض توهج مكان الجمهور السابق ليكون محكمة اللآريون في باغوس الأثينية تتربع على منصتها الآلهة أثينا مع روح الأم التي لبست البياض ووجهها وشهرها الذي يقول أنها نهضت توا من المقبرة ،وفي الأسفل الإله أبولو الذي يمسك بين يديه عصاتين صغيرتين محاولا شد عزم اورست لأنه هو الذي أعطاه التفويض بقتل الأم وبعد شد وجذب تصدر أثينا حكمها الذي يتطابق وفق مفهوم ذلك العصر والمنطلق من الخلفية التي يعتنقها المؤلف فقيل مثلا إن أسخيلوس كان فيثاغورسيا وقيل وهذا الأقرب بأنه صوفيا يميل إلى الطرح الديني في نصوصه عكس ما تناوله يوربيدس أو سوفوكلس ،وعودة على بدا نقول إن الحكم الذي أصدرته أثينا كان محط الكتاب والفلاسفة بالتفسير والتأويل والموافقة والرفض ومن هذا خرجت جل المدارس النفسية التي تبناها سيجموند فرويد ومن جاء بعده.

إن هذه الأسطورة والأساطير الأخرى هي حقا مصدر الهام على مر العصور.

بقي أن أتحدث قليلا عن المخرج Johan Doesburg الذي شاهدت له عرضا مسرحيا وهو كلاسيكي أيضا لراسين ، مسرحية فيدرا ، ويبدو أن هذا المخرج مغرم بمثل هكذا نصوص لما لها من مساحة واسعة للبوح ،إنني لم اذكر اسم أي ممثل ومن مثل الشخصية الفلانية لان مجموعة الممثلين كانوا الجوقة والممثلين في الوقت نفسه ومن يمثل في الجزء الأول أو الثاني يلتحق بالجوقة في الجزء الآخر باستثناء الأم كلايتيمنيسترا التي جسدت دورها الممثلة Marie-Louis Stheins والتي التحقت هي الأخرى إلى الجوقة في بعض المشاهد ومنفذة الموسيقى في مشاهد عديدة كما فعل الممثلون الآخرون .

 أما شخصية أغاممنون وابولو التي قام بتجسيدها الممثل Hans Hoes والذي كان متألقا بحق ولا يمكننا إغفال شخصية اورست والشخصيات الأخرى التي لعبها الممثل Thomas de Bres والتعرج على شخصية الكترى والآلهة أثينا هي الممثلة Bien De Moor  التي لم يسطع نجمها وهي تؤدي دورها في الجوقة،، وفي تصوري لو أن دور أليكترا اسند إلى الممثلة Maike Meijer صاحبة الصوت المدوي والحضور الواضح التي جسدت شخصية كساندرا لكان العرض أفضل مما هو عليه وبقية شخصية الآلهة أثينا للممثلة Bien De Moor  يمكننا القول ولا يمكن نسيان الممثل Mark Rietman الذي جسد شخصية العشيق اجيثيوس والفاعل المتحرك في الجوقة أو الكورال: إن جميع من اشتغل في هذا العرض كانوا موفقين إذ لعبوا الأدوار كلها فنيّن وفنانين وبمعنى آخر أنهم تبنوا العرض وبإمكانهم تقديمه أينما شاءوا .

وعودة إلى مفتتح المقال نقول إن مثل هكذا عرض يمكن أن يقدم في حصن السمائل أو بناء نصا مأخوذا من التراث العماني الثر