لنتكلم بصمت

   قاسم مطرود

 

ستة رجال وامرأتان كان لا بد عليهم أن يتحاورا بصمت أو بصوت بعد سقوط الطائرة التي كانت تقلهم إلى مكان معلوم بالنسبة لهم ومجهول لنا ولكن وبعد سقوطها بات المكان شبه واضحا للمتلقي ومجهولا لهم .

هذه الثيمة التي اشتغل عليها عرض مسرحية ( لنتكلم بصمت ) تقديم ( الحمراء ) ضمن أيام قرطاج المسرحية .. إذا كتب النص كل من الفنان المبدع ( عز الدين قنون وليلى طوبال ) وقام الأول بإخراجه بمساعدة ( زينب الفرشيشي بعد أن كتب السيناريو ( سفيان العرب) .

لنتكلم بصمت هو العرض الأول للمركز العربي الأفريقي من جل إيجاد البحوث المسرحية التي تدفع وتساند الأساليب المسرحية لأداء الممثل , بإدارة الفنان عز الدين قنون الذي  راهن على الممثل كعنصر أساس في إيصال دلالات العرض , منه شكل الحزن وأبواب الفرح ومنه عرفنا الأمكنة وخرابها وبه سرنا طرقات لا نهاية لها . انه الممثل ذلك الجسد الصوت الحس الأداء . ضمن هذه الحيثيات والرؤى ولد العرض وبه بان النجاح . فأنت تتابع امرأة تتكلم اللهجة المصرية ورجل يرد عليها باللهجة اللبنانية وآخر في التونسية وكأنك في لجة من تلاطم المفردات المهجنة حتى يصل بك المطاف إلى اللغة الفرنسية والعربية الفصحى وهمهمات وانين وصمت إنها اللغات كلها .

ترى هل نحن بحاجة إلى الكلمة المنطوقة المفهومة في مثل هكذا عرض أم أننا وكما جاء العنوان لنتكلم بصمت بحاجة إلى الصمت البليغ كأداة للتعبير عن هول المأساة ..

لقد أدرك عز الدين قنون ومن معه إن اللعب على هذه المنظومة هو إبداع في حد ذاته وان كان مفهوم تكسير أو تهديم اللغة قد طرقة مسرح اللامعقول من قبل , إلا أن الأمر مختلف هنا فان اختلاف اللغات هو العنصر الأساس في اللعبة التي جاءت منسجمة مع الموضوعة فالرجل أو المراة التي كانت جالسة على مقعدها لا تعرف غير لغتها والرجل القادم من ( بوركينا فاسو ) لا يعرف هو الآخر غير لغته ولكنهم لابد أن يتبادلون الحديث في مكان غاب عنه المعنى وهربت منه المواصفات بل كانوا يريدون اختيار شخص للذهاب من اجل جلب الماء , هنا كان الجميع يتحدثون بلغاتهم وفوق هذا وذلك كنا نفهم عن أي شي يدور الموضوع أو ماذا قال الشخص القادم من ( كنغو برزفيل ) إنها حقا لعبة مسرحية مغرية لان يتناولها أي مخرج, فيها مساحات إبداعية واسعة وإمكانية تفجير الكثير من المفاهيم النظرية الفكرية والجمالية .

لقد جاء الجسد عنصرا هاما كأداة تعبير في هذا العرض ليس بمفهومه كمفردة أو فكرة بل باعتباره صورا متشظية لرؤيا مشوشة أحيانا أو واقع تشوبه الضلالات .

اجل شاهدنا تشكيلات تعبيرية جمالية افرزها الحدث والحس الفردي لذلك التائه الباحث عن المصير , إذ فجأة اجتمع خوف العالم كله أمام ناظرهم وهاجمهم بغتة بل طالبهم بإبداء الرأي مجادلا إياهم باحثا عن مصدر قوة الإرادة التي لا تستفز أو يخرج المارد منها إلا إذا انتصب الخوف صارخا مفزعا دفق الحياة.

والخف هنا من أنفسهم ومن خذلانهم أمام ألذات أو ضياع الصبر والسكينة في لحظة الانتظار والأمل أو الخوف من الآخر ذلك الذي قد يفكر بالقتل لأتفه الأسباب . انه الرعب الذي لا سكينة بعده .

إنهم خائفون من ثيابهم وحقائبهم التي خيل إليهم أنها ملغومة وربما تنفجر في أية لحظة , ولكن الانفجار قد حصل ليس بسقوط الطائرة وإنما بتهشيم ألذات وفقدان مركز القرار .

أراد المخرج أن تكون خشبة المسرح عارية جرداء وجدارها الخلفي بالي متهدم وكأنه يوحي بدواخل الشخصيات التي وبدون سابق إنذار جردت من كل شيء إلا من الأمل ذلك الذي صار يتناقص في كل لحظة وهكذا جاءت موسيقى ( عياض الياس ) .

بقي أن نقف عند مبدعي العرض وأبطاله الذين جسدوا الأدوار بجهود مضنية فهم . ليلى طوبال من تونس – كارول عبود من لبنان –ليلى سامي بلوطي من مصر –شادي اسماعيل من فلسطين – حلمي الدريدي من تونس –بينفنو اوبيلاريشارد من كنغوبرازافيل –محمد نيندانو من بوركينا فاسو-  وأخيرا ماتياس نيدميت من الغابون