|

ثمن الأحلام المهشمة
قاسم مطرود
حافظ وبشكل غير مسبوق
الكاتب المسرحي آرثر ميلر
Arthur Miller
على إنسانيته في المعالجة الدرامية لجميع نصوصه حتى بلوغه 89 عاما ووفاته
سنة2005, وهو يتبنى ذلك الموقف في جميع نصوصه المسرحية وسيناريوهات أفلامه
ومقابلاته الصحفية بدا من مسرحية "موت بائع متجول"التي حققت شهرتها عام
1948 مرورا بالعديد من المسرحيات ومنها "كلهم أبنائي" ومسرحية الثمن التي
ستكون محور موضوعنا لهذا اليوم, انتهاء بمسرحيتي "مستر بترز 1997" ومسرحية
" رجل عند كل الحظوظ " التي أعيد تقديمها على مسرح برودواي 2002.
مسرحية الثمن
The Price
التي قدمت على مسرح De
Koninklijke ضمن
الموسم المسرحي 2005-2006 اذا لم تختلف وجهتي النظر بالنسبة إلى المخرج
الهولندي
Adrian Roijaards
وما طرحه ميلر لمفهوم الثمن في هذه المسرحية وما هو المعطى والدلالة له في
عصر خرب.
حقا إن المحور الأساس الذي
بنيت عليه المسرحية نصا وعرضا هو بيع أثاث قديم لشقة قديمة والبحث عن شخص
يقدر قيمة الأثاث ويدفع ثمنه, ويبدو ومن هذه الزاوية أراد المؤلف والمخرج
أن يرفعا الراية البيضاء وقولا بان كل شيء له ثمن على مرور الزمن, وهناك من
يكون ثمنه باهضا من لا ثمن له.
إن الشفرات المستخدمة هي
أثاث المنزل, أي قطع من الجماد وليس مطلوبا منها مجارات عصر لا يرحم ولكن
وفي لحظات ما نشعر أن لأثاثنا أرواح ونبض وذكريات لأنه كان شاهدا علينا في
مسيرة حياة مبهمة.
لهذا الكرسي ذاكرة حميمة
يوم ولدنا كونه كان شاهدا على الصراخ وهذا الدولاب يذكرنا بعدد الكرات التي
احتفظ بها يوم لعبنا مع الفريق المضاد ولا يمكن نسيان سرير النوم الذي يا
ما عانق أجسادنا وهي تأن من التعب والنعاس, من هذا المنطلق اعتبر ميلر مدخل
الأثاث مدخلا ناجحا في بناء نصه المسرحي معرجا على الشخصيات الأخرى.
يبدأ العرض بوجود فيكتورVictor
Franz الذي جسد
دوره الممثل الهولندي الحاضر دائما في الحركة المسرحية
Victor Low
إلى جانب زوجته استير
Esther
التي لعبة دورها بإتقان الممثلة ُEdda
Barends وهما
يتفحصان المكان ويتلمسان الأثاث المتروك داخل الشقة بعد أن توفي الأب, وهما
أول الواصلين إلى المكان باحثين ومنتظرين شخص يمكنه شراء الأثاث القديم
بغية تقسيم التركة " الورث " بين الأخوين.
إننا أمام الدلالة الأولى
لما يحتويه العنوان – الثمن- ومن مشهد الاستهلال نفهم إن فيكتور هو رجل
بوليس موقوف عن عمله, بعد أن كان يروم الحصول على الشهادة كما فعل أخيه
والتر Walter
الذي سيأتي ذكره في حينه, اضطر فيكتور ترك مقاعد الدراسة من اجل البقاء إلى
جانب أبيه المتقاعد والغير قادر على إدارة شؤونه لوحده بعكس الأخ الآخر
الذي استمر بإكمال دراسته حتى أصبح طبيبا جراحا ناجحا.
المسرحية لم تبدأ بعد
ويبدو إنها لن تبدأ أبدا لأنها ظلت حتى نهايتها تسير بشكل أفقي لساعتين,
ولم نر أي انقلاب في الحبكة أو متغيرات في الصراع, وربما يكون هذا هو السبب
ذاته الذي جعل هذه المسرحية تحتل المكانة الأقل بالشهرة مقرونة بالمسرحيات
الأخرى كموت بائع متجول وكلهم أبنائي والمسرحيات التي قدمت ميلر كواحد من
ابرز كتاب هذا القرن.
فبل هذه المسرحية ولأنه
توقف عن الكتابة بالنظر للمشكلات التي عاشها والطلاق وانتحار زوجته مارين
مونرو, اعتبر النقاد ميلر قد انتهى ككاتب مسرحي, إلا إن مسرحية الثمن جاءت
فقط لتضخ الدم في الشريان فحسب.
المهم في مسرح ميلر وما
رمى إليه العرض الهولندي مناقشة الحلم الأمريكي ومدى صحته وتطبيقه على
الواقع, حقا انه مبهر وبراق ولكنك وما أن تستيقظ من ذلك الحلم تكتشف إن
المياه الآسنة قد اخترقتك وقد أضعت أحلى أيامك جريا وراء وهم.
هكذا كان ميلر يقف
بالمرصاد إلى خديعة ذلك الحلم الذي حول الإنسان والأشياء المحيطة به إلى
مجرد سلع لها ثمن.
وما أن يدخل الممثل
John Kraaijkamp
الذي جسد الشخصية المحورية
في هذا العرض ألا وهي
Solomon يبدأ
الجمهور بالتصفيق والتحية وعرفت حينها سبب بيع التذاكر كلها لمسرح يسع
حوالي ألف متفرج اغلبهم جاءوا من اجل هذا الممثل أكثر من مشاهدتهم لمسرحية
الثمن ومعرفة المزيد عن مؤلفها وما يريده مخرجهم الهولندي, ويبدو انه
ممثلهم الشعبي, وهو حقا كذلك وقد تجاوز الثمانين في الواقع كما الشخصية
التي لعبها والتي هي الأخرى تتجاوز الثمانين, كان يتحرك على المسرح كشاب
يافع وتحلى بالنكتة السلسة التي أضفت على العرض نكهة خاصة بالإضافة إلى
الشخصية التي كتبها المؤلف والتي فيها الكثير من المماطلة في إبرام السعر
الأخير لقيمة الأثاث حتى أعطى سعرا بخسا في نهاية الأمر, وقد أراده ميلر
يهوديا بخيلا لا يعطي الأشياء حقها وفي كل لحظة يعلن وبعد مماطلة مزعجة
يقول هذه المرة الأخيرة وسيعلن السعر حتى اتعب فيكتور الذي يعلن مرارا وقف
التعامل مع سالمون وبمكره يحصل في نهاية المطاف على الأثاث بالسعر الذي
يريد*
وما أن يتفق فيكتور
وسالمون على السعر النهائي والذي يعتبر سعرا تافها بحق أثاث مهم إلا إن
سالمون استطاع كسب الجولة, وهنا حاول المؤلف تحريك الساكن بإدخال شخصية
الأخ والتر التي جاء ذكرها دون موعد مسبق بل لم ير فيكتور أخيه منذ سنوات
ودخوله بالطريقة هذه أدهش فيكتور إلا إن والتر يتعامل مع الموقف ببرود
وهدوء وكأنه مدعو إلى حفلة عشاء, يجلس على اقرب كرسي, لتبدأ المكاشفة بين
الأخوين بحثا عن أثمان لحقيقة حياة موعودة بالأحلام.
والتر يتهم فيكتور بأنه
إنسان فاشل وقد جلس إلى جانب أبيه لاستخدامه شماعة يعلق عليه فشله وما هو
فيه الآن كشرطي موقوف عن العمل ذلك ما يستحقه من ثمن إزاء عمله في هذه
الحياة, ويعتبر نفسه قد ثابر واجتهد ودرس من اجل الحصول على الشهادة وقد
نالها لتؤهله كي يكون طبيبا وهذا هو الثمن الذي يستحق, ويستمر الجدل الطويل
حول هذين المحورين ليتركهما سالمون منتظرا قراريهما الأخير في بيع الأثاث
لتدخل في نهاية الأمر استير التي لا يعنيها شيء من الأمر كله سوى بيع
الأثاث وتوزيع الورث وبأي ثمن كان, على أن يساعد والتر أخيه فيكتور بمبلغ
من المال كي يجد عملا مذكرة اياه كما فعل فيكتور من قبل: فلولا فيكتور لما
استطاع والتر أن يكون طبيبا لذا فهو مدين لهم وعليه أن يفي بدينه الآن.
لكن والتر يعتبر هذه كلها
اتهامات ومجافاة للحقيقة ولا يتحمل أخطاء الآخرين, وما سبب إفلاس أبيه إلا
ركود الاقتصاد الأمريكي في حينها مما جعله يجلس في البيت والأخ فشل في
دراسته وجلس هو الآخر إلى جانب أبيه والكل تكسرت أحلامه على اقرب دكة, إلا
هو الذي حقق حلمه حسبما اعتقد, لكن ميلر لم يتركه مزهوا بنصره فقد جعله
شاذا جنسيا وبهذا تتساوى الأثمان للأحلام الخربة
*ولا ادري
إن كان يعني المؤلف ذلك أو أننا قرانا النص والعرض بهذا الشكل من إن
المستفيد في نهاية الأمر من ذلك الحلم هو سالمون اليهودي وكأنه يقول إن
الحلم الأمريكي حقق طموح اليهود فقط هكذا كانت النهاية وهكذا ابرق لنا
العرض شفراته
|