قراءة قاسم مطرود .. و وردة في وجه الحرب

منى كريم
 

هل من الممكن الحديث عن النص المسرحي بينما نغمض أعيننا عن خشبة المسرح ؟

هذا السؤال يرادوني كثيراً، ويخلق تساؤلات كبير حول المسرح الطفل \ النص ، والمسرح الكبير \ تحقيق النص . لربما هذه الضرورة الحتمية التي يفرضها فن المسرح علينا ، من منطلق أن النص المسرحي ليس سوى بذرة أولية لما سيتحول إلى حياة مدهشة فوق الخشبة اضطرنا للتحقيق في هذا الموضوع ، لتحميصه من شتى الجوانب ، فأنا شخصياً أعرف الكثير من المسرحيات دون أن أشاهدها ، و أؤمن بمسرحيين رائعين دون رؤية فنان ما يطبق مسارحهم أمامي ، إلا ما ندر !

كثيراً ما قرأت عن قاسم مطرود، كثيراً ما قرأت له، فهو متواطئ في مؤامرة طرح خطاب مسرحي جديد ولا يقع تحت أيقونة قومية أو دينية ما ، و اعتقد أن لهذا الحس الكوني الذي يملكه تأثير على نصوصه المسرحية، و لربما أعماله المسرحية التي لم أشاهدها!

" أحلام في موضع منهار"نص مسرحي يحتاج إلى أعين مفتوحة وأرواح مشرعة لهضمه بشكل عميق، يحتاج إلى مسرحي ذكي جداً من أجل تحقيق هذا النص، فهذه اللمسة الحالمة عبر اللغة والرؤية لا يمكن تجاهلها أو تهميشها بتناول سطحي .

لقد عمد قاسم مطرود في رؤيته أن يجرد العالم من ملابسه المتحذلقة،  أن يعريه ، ويعري ما يشرخ إنسانيتنا عبر خط طويل يتنقل به من شعرية الوصف إلى مرارة الحال ، فأن تتناول تجربة الحرب ، معناه أن تملك عين قاسية وحادة ، لكن في الحقيقة استعان مطرود بما هو أفضل من ذلك، بإنسانيته وبالإيمان بجدوى أن يصبح المبدع صوت الإنسان المهمش.

هنالك أجزاء جميلة في النص كلها ترتكز على ثيمة واحدة\ ثيمة الإنسان.. تنتقل بين عوالم عدة، فنجد الحوار باعتباره الأرض التي يتم عبرها النص ، نجد جنديين\ إنسانين\ جثتين\ حلمين.. وهنالك رمز مخبئ خلف هذه الثنائية، في أن تكون المسرحية كلها عبارة عن شخصين فقط ! صوت الجندي المتحدث، وصوت الجندي الذي يمشي نحو الموت، هذه النبرة الإنكسارية التي تخنقنا وتوجيه إصبع الاتهام نحو كل من يمارس " الخرس " الجماعي الذي يصيب البشر .

التحدث عن الذكريات وجسد الماضي المكتظ بأصوات بشر مضطهدين أو مقصيين عمن يحبون، لغة مؤثرة عما تشطبه الحرب بقلمها السخيف وتخلفه من خطوط حزينة وفادحة التعسف ..

لا أعلم كيف يتمرد مطرود على ما نملكه من أفكار أولية،  كيف يخبرنا بأن كل مهمش بإمكانه أن يحلم بروعة تضاهي أحلام الآخرين ! إنه يتخلص من النبرة العقلانية الباذخة ، ويستخدم الحس الشعري لتصوير الحياة الجميلة والكائنات الجميلة التي تحركها يرمي على الكل اتهاماً كبيراً وخفياً ، حيث نهدر هذه الروعة في مهب الريح !

العلاقة الشرطية أو الأزلية بين الإنسان والموت لا تترك لنا مجالاً للتفكير بأرض مشتركة، لكن بالنسبة لجندي " أحلام في موضع منهار " هنالك محاولة للسخرية من الموت، لتحويله إلى فعل اعتيادي جداً ولا يستحق كل هذا الفزع الذي نصاب به بمجرد سماعنا هذه الكلمة ( موت ) . الموت سكين الحرب التي تقتل أحلامنا ، لكن لا بأس فالموت بمثابة ضحية أيضاً ، ضحية تورطت في مؤامرة حقيرة .. لا بأس مرة أخرى ، الجندي يحتضن الموت ، يسلمه أطفاله\أحلامه ويترك للحرب أن تبقى وحيدة أمام الجثث