قاسم مطرود

يفتح نوافذ الروح

حسب الله يحيى

في القراءة الحديثة مثل ما في الكتابة الحديثة لا يقبل المتلقي كما لا يقبل الكاتب أن يحدد بقوالب معينة ولا ضوابط تثقل عليه وتسلبه حقه في مناخ حر للقراءة والكتابة إلا إن الناقد والكاتب المسرحي قاسم  مطرود في أول نص مسرحي يصدر له بعنوان للروح نوافذ أخرى يعمد إلى تحديد قارئه والطلب إليه في قراءة مسرحيته مثل ما يريد هو لا مثل ما يريد القارئ

يقول مسبقا النص ( ذان وايان ليسا شخصيتين مجردتين وإنما هما شهادة عصر . أجزاء بشرية انهما ليسا ممثلين داخل الحكاية وإنما شواخص وفواصل مؤثرة في حياتنا ) في حين يحدد لاحقا ( المكان بلا ملامح هو مزيج كل الأمكنة  والزمان جسد ممتد ينتظر الغد)

 والوقت بعد أن فصله الكاتب عن مفهوم الزمان ( ثبات مؤشر الساعة المنتظرة ) وإذا سلمنا بما أراد قاسم مطرود قسرا فإننا نجد تنفسنا نقع في حالة تناقض بين شخصيات لا يريد لها الكاتب أن تكون مجردة في حين هو نفسه المكان والزمان . بينما ندرك وفق منطق الأشياء إن البيئة والزمان لا يمكن فصلهما عن المتغيرات الإنسانية والإنسان مهما اختار من عزلة لا يمكن له العيش بمعزل عن محيطه وعالمه الزماني والمكاني ...

ونأتي إلى النص فإذا بالحوار يخبئ ما لدى الكاتب أكثر مما يبوح به .. بمعنى أن المؤلف يمتلك طاقة تعبيرية مخبأة لا يكشف إلا عن يسير مما يعرف .. الأمر الذي يجعل القارئ يفكر بإيضاح التعبير ذاتيا حتى يتفهم طبيعة الحوار ويكشف عن دواخله وأبعاد الشخصيات فيه

 وقد يكون مرجع هذا المخبأ .. سرعة البوح أو بلاغته آو اختيار مقصود من قبل الكاتب بهدف الإيحاء حسب.. في حين يعد التوصيل مهمة أساسية في أي عمل إبداعي يريد أن يحقق تأثيره لدى المتلقي

وقاسم مطرود يدرك جيدا إن لغة اليقين والجملة الواثقة والاستنتاج الكلي في المسرح لا يتم بجملة مفيدة بل بمشهد . بفعل أدرامي . بحوار قائم على جدل فعندما تقول الزوجة : نحن محكومون بالوهم نفسه

يفترض الوصول إلى هذا الاستنتاج دراميا لا سرديا وعندما نقرا الحوار بين ( الأم ) و( الزوجة )

الأم : إني اسمع صوت قطار بل صفارة إنذار

الزوجة: وأنا لا اسمع بل أبصر ديدان الأرض تتسلق كل الجدران

نجد أنفسنا نبحث عن مميزات ذلك الصوت ونشهد تلك الديدان بدلا من قراءة حوار يتعلق بالصوت والرؤيا فهذه خصائص الفن المسرحي وهويته .

 وقد يتمكن المخرج بخبرته الحرفية وخياله المتألق وعقله النير من تحويل الكلمة إلى صورة والجملة إلى مشهد كما انه يمكن للقارئ كذلك تصور العبارة بدلا من تحديد قراءته كما يريد المؤلف للوصول إلى معطى جديد..

 إلى جانب ذلك نجد قاسم مطرود يمتلك لغة شفافة لها تماس مباشر بالشعر مثل ( انتظرتك روحا وهوى وقرص شمس فلا تقف كالليل الصامت ) كما إن الصورة التي ينقلها إلينا والقائلة

الأخ : ساقي في التراب ابتلعتها الأرض كنت احلم فيها وهي تطير في السماء تخيل المشهد , انه مخيف تطاردني وتعاتبني لأنني تنازلت عنها لأنه ما كان بمقدوري...... . تصوري لحظتها طرت وإياها )

تشكل حضورا إنسانيا فاعلا عندما تتحول إلى مشهد يدين الحرب ويحفظ للإنسان حاجته الملحة للسلام

قاسم مطرود في مسرحية للروح نوافذ أخرى يفتح نوافذ روحه وكتمانه المأزوم للتعبير عن دواخله العميقة .. بلغة مكثفة وتفهم طيب للفعل الدرامي الذي يمكن أن يحقق حضورا متميزا إذا ما توصل وانشد إلى الكتابة المتأنية التي تفجر أسى الروح والقها باتجاه تقدم تجارب إنسانية حية على خشبة المسرح .. قاسم مطرود بخبرته ومتابعته وبعدة النير لفن المسرح .. يمكنه أن يقدم الكثير .. ومسرحيته تومئ بالعطاء   

     

نص مسرحية للروح نوافذ أخرى